وکالة مهر للأنباء: لم يقتصر ما حدث خلال هذه الفترة على احتواء التهديد فحسب، بل شمل أيضًا تغييرًا في معادلة التكلفة والفائدة للطرف الآخر. في ظل هذه الظروف، يعكس اعتراف بعض المسؤولين الأمريكيين بهذه الحقيقة فهمًا حتميًا للتطورات على أرض الواقع. عندما يصرح روبرت مالي صراحةً بأن إيران ستنتصر في الحرب ولن تتفاوض من موقع ضعف، فإنه يشير في الواقع إلى المنطق نفسه الذي يُسمى "ترجمة القوة" في الأدبيات الاستراتيجية؛ وهي ترجمة تبدأ على أرض الواقع وتُرسخ على طاولة المفاوضات.
النقطة الأساسية هنا هي أن النصر في مثل هذه المواجهة لا يعني بالضرورة الاستيلاء على أراضٍ أو تدمير الطرف الآخر تدميرًا كاملًا. في العديد من الصراعات الحديثة، يعني النصر إحباط الأهداف الرئيسية للعدو وزيادة تكلفة استمراره في مساره. إذا دخل طرفٌ ما ساحة المعركة بمزايا عسكرية تقليدية ولكنه فشل في تحقيق أهدافه، فإنه يكون قد فشل فعلياً على أرض الواقع. من هذا المنظور، كان ما حدث خلال هذه الأربعين يوماً بمثابة تحول في موازين القوى؛ تحولٌ امتدت تبعاته إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة لتشمل المستويين السياسي والدبلوماسي.
لم تقتصر إيران خلال هذه الفترة على موقف دفاعي فحسب، بل الأهم هو كيفية إدارة هذا الدفاع وتحويله إلى رادع فعّال. يصبح الردع ذا معنى عندما يتخلى الطرف الآخر عن مواصلة المسيرة ليس لعجزه، بل لتكاليفه الباهظة. في هذا السياق، استطاعت إيران صياغة معادلة يكون فيها كل عمل يقوم به الطرف الآخر رداً يزيد التكاليف أضعافاً مضاعفة. عند هذه النقطة، يتحول الردع من مفهوم نظري إلى واقع عملي.
من جهة أخرى، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تمتعهما بمزايا تقليدية، من تحقيق أهدافهما المعلنة. هذا الفشل ليس مجرد فشل تكتيكي، بل هو دليل على محدودية القوة في مواجهة نمط مختلف من المقاومة. في مثل هذه الظروف، لا يُعدّ الاستمرار على هذا النهج مكلفًا فحسب، بل يرتبط أيضًا بمخاطر متزايدة، مما يُجبرهم على التوقف أو تغيير مسارهم. ويُعتبر هذا التوقف، في الأدبيات الاستراتيجية، مؤشرًا على تغير موازين القوى.
في هذا السياق، يكتسب الدخول في مفاوضات معنىً مختلفًا. فالمفاوضات لا تجري في فراغ، بل هي استمرار للمنافسة نفسها بصورة أخرى. إذا لم يتمكن أحد الأطراف من فرض إرادته على أرض الواقع، فإن توقع تحقيقه هذا الهدف بسهولة على طاولة المفاوضات أقرب إلى الخيال منه إلى التحليل الواقعي. المفاوضات ليست ساحة لتقسيم التنازلات، بل هي منصة لترسيخ الإنجازات وإدارة الخلافات. ولهذا السبب، فإن الدولة التي لم تُقدّم تنازلات على أرض الواقع ستتصرف بحذر، مستندةً إلى المنطق نفسه، على طاولة المفاوضات.
من الأخطاء الشائعة في تحليل هذا الوضع تجاهل العلاقة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. يعتقد البعض أن الدبلوماسية يمكن أن تعمل بمعزل عن الواقع على أرض الواقع. بينما تُظهر التجارب التاريخية أن الدبلوماسية تنجح عندما تستند إلى دعم حقيقي من القوى، فبدون هذا الدعم، سيكون أي اتفاق هشًا ومؤقتًا. في المقابل، عندما يُبنى الاتفاق على أساس توازن حقيقي للقوى، يصبح استدامته أكثر ترجيحًا.
من هذا المنظور، فإن فكرة أن إيران، رغم هذه الإنجازات، ستدخل في مفاوضات لتقديم تنازلات غير معقولة هي ضرب من السذاجة. هذه الفكرة إما ناتجة عن فهم غير مكتمل للتطورات أو محاولة لترسيخ سردية محددة. في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: الابتعاد عن الواقع. الواقع هو أن إيران، بخبرتها من المواجهات السابقة، تُدرك تمامًا أن أي تنازل أحادي الجانب لا يُؤدي فقط إلى تخفيف الضغط، بل يُشجع الطرف الآخر على المطالبة بالمزيد.
في هذا السياق، ينبغي إيلاء الاهتمام لمفهوم "توازن القوى الحقيقي". هذا التوازن لا يقتصر على عدد الأسلحة أو حجم القوات، بل يشمل أيضًا مجموعة من العوامل مثل الإرادة السياسية، والتماسك الداخلي، والقدرة على إدارة الأزمات، والقدرة على الاستجابة. في هذه الحرب، تمكنت إيران من تحقيق أداء متميز في العديد من المجالات، مما رسّخ صورة مختلفة للقوة. هذه الصورة تدخل تدريجياً في حسابات الطرف الآخر وتؤثر على سلوكه.
ومن النقاط المهمة الأخرى الرسالة التي تبعثها هذه التطورات إلى الجهات الفاعلة الأخرى. ففي النظام الدولي، لا يؤثر سلوك الدولة على العلاقات الثنائية فحسب، بل يُعدّ أيضاً بمثابة إشارة للآخرين. فعندما تُظهر دولة ما مقاومتها للضغوط وقدرتها على إدارة التكاليف، تُنقل هذه الرسالة إلى الآخرين مفادها أن التعامل معها يتطلب مراعاة هذه الحقائق. وهذا بدوره يُعزز تدريجياً مكانة تلك الدولة في المعادلات الإقليمية والدولية.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن التفاوض ليس نهاية المطاف، بل هو جزءٌ منه. المهم هو كيفية الدخول في هذه المرحلة والإطار المُحدد لها. فإذا بُني هذا الإطار على أساس توازن حقيقي، فإنه يُمكن أن يُفضي إلى نتائج مستدامة. أما إذا بُني على مفاهيم خاطئة أو ضغوط فئوية، فمن المرجح جداً أن يفشل.
إن هيمنة القوة على طاولة المفاوضات ليست مجازاً، بل هي وصف دقيق للواقع الذي شهدناه في العديد من النزاعات. فالقوة لا تعني إقصاء الطرف الآخر، بل تعني تحديد حدود اللعبة. في هذا السياق، دخلت إيران، مستندةً إلى تجربة الأربعين يومًا الماضية، مرحلةً بات بإمكانها فيها التحرك لا من موقع دفاعي، بل من موقع أكثر حسمًا.
لذا، فإن أي تحليل لمستقبل المفاوضات سيكون ناقصًا دون أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار. لا يمكن تجاهل ما جرى على أرض الواقع أو التراجع عنه. هذه التطورات جزء من واقع جديد يجب أخذه في الحسبان في أي حسابات سياسية ودبلوماسية. وإلا، فإن أي تحليل سيكون مضللًا أكثر منه مفيدًا.
ختامًا، ربما يمكننا القول: إن المفاوضات تكون ذات جدوى عندما تعكس الواقع، لا أن تحل محله. يشير واقع اليوم إلى تغير في موازين القوى؛ تغير لا يمكن رؤية نتائجه في الشعارات، بل في سلوك الأطراف. في مثل هذه الظروف، فإن توقع تنازلات أحادية الجانب ليس غير واقعي فحسب، بل يتجاهل أيضًا منطق العلاقات بين القوى في عالمنا المعاصر.
انتهای پیام/
تعليقك